اليوم العالمي للأراضي الرطبة.. رئات الكوكب والملاذ الأخير لمواجهة التغير المناخي

يحتفل به 2 فبراير من كل عام

اليوم العالمي للأراضي الرطبة.. رئات الكوكب والملاذ الأخير لمواجهة التغير المناخي
اليوم العالمي للأراضي الرطبة

بينما ينشغل العالم بصراعاته الاقتصادية والسياسية، ثمة معركة صامتة تدور رحاها على ضفاف الأنهار، وفي أعماق المستنقعات، وعلى طول السواحل المزدانة بأشجار المانغروف، إنها معركة "الأراضي الرطبة"، تلك المساحات التي يمتزج فيها الماء بالتراب لتخلق سيمفونية من الحياة، لكنها اليوم تواجه خطر الاندثار بمعدلات تفوق فقدان الغابات بثلاث مرات.

في الثاني من فبراير 2025، يحتفي العالم باليوم العالمي للأراضي الرطبة تحت شعار شديد الدلالة: "حماية الأراضي الرطبة من أجل مستقبلنا المشترك"، وهو شعار لا يحمل رفاهية الاختيار، بل يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية وتنموية تجاه نظام بيئي يعيل ثمن سكان الأرض، ويحرس 40% من تنوعها البيولوجي.

من "رامسر" إلى العالم

شهدت مدينة "رامسر" الإيرانية في فبراير من عام 1971،  ولادة واحدة من أهم المعاهدات الدولية في العصر الحديث، حيث وقعت الحكومات على "اتفاقية رامسار"، لتكون أول معاهدة عالمية مخصصة لحماية نظام بيئي بعينه.

وبعد مرور أكثر من نصف قرن، تطورت هذه الاتفاقية لتشمل أكثر من 2500 موقع ذي أهمية دولية، تغطي مساحة شاسعة تبلغ 2.5 مليون كيلومتر مربع، هذه المساحة، التي تفوق مساحة دولة المكسيك، ليست مجرد أرقام في سجلات الأمم المتحدة، بل هي ملاذات آمنة لآلاف الأنواع، وخزانات طبيعية لمواجهة التغيرات المناخية المتطرفة.

وغالباً ما يساء فهم الأراضي الرطبة باعتبارها أراضٍ "ضائعة" أو مستنقعات مليئة بالأوبئة، لكن التعريف العلمي والبيئي يضعنا أمام لوحة إعجازية، فهي الأنظمة البيئية التي يمثل فيها الماء المحرك الأساسي للحياة، ويشمل هذا المفهوم الواسع: نظم المياه العذبة: (البحيرات، الأنهار، الخزانات الجوفية، والواحات التي تروي عطش الصحاري) والنظم الساحلية: (مصبات الأنهار، الدلتا، الشعاب المرجانية، وأشجار المانغروف التي تقف كحائط صد في وجه البحار)، والنظم التي صنعها الإنسان: (حقول الأرز التي تطعم المليارات، وأحواض الملح، وخزانات المياه)

أرقام هامة

حين نتأمل الأرقام التي توفرها الأمم المتحدة واتفاقية رامسار، نكتشف حجم الفاجعة وحجم الفرصة في آن واحد:

- كنز التنوع: رغم أنها تغطي 6% فقط من سطح الكوكب، إلا أنها تؤوي 40% من أنواع النباتات والحيوانات.

- شريان العيش: يعتمد شخص واحد من بين كل 8 أشخاص في العالم (أكثر من مليار نسمة) على الأراضي الرطبة لكسب عيشه، سواء عبر الصيد، أو الزراعة، أو السياحة البيئية.

- دروع طبيعية: توفر هذه الأراضي حماية لـ60% من سكان السواحل ضد الأعاصير وموجات التسونامي.

- الصحة النفسية: لا تتوقف فوائدها عند المادة، بل تشير الأبحاث إلى أن المناظر الطبيعية للأراضي الرطبة تلعب دوراً حاسماً في تعزيز الصحة العقلية والنفسية للإنسان.

أشجار المانغروف

تبرز أشجار المانغروف كواحدة من أكثر النظم الرطبة إثارة للدهشة، حيث كشفت دراسة حديثة لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) أن هذه الأشجار ليست مجرد نباتات ملحية، بل هي مخازن هائلة للكربون، ومحاضن للثروة السمكية، فالمانغروف هو "البطل الخارق" الذي يوفر الحماية من تغير المناخ ويدعم سبل العيش، ومع ذلك، تظل هذه الغابات تحت ضغط التوسع العمراني والتلوث.

ويدق تقرير عام 2025 ناقوس الخطر، فالأراضي الرطبة هي النظم البيئية الأكثر تدهوراً على وجه الأرض، منذ عام 1970، فقد العالم 35% من أراضيه الرطبة.

وتتلخص أشباب فقد الأرضي الرطبة في: التجفيف والصرف: لتحويلها إلى أراضٍ زراعية أو مجمعات سكنية، والتلوث: الذي يحول المياه الحية إلى برك كيميائية ميتة، والاستغلال المفرط: الصيد الجائر واستنزاف المياه الجوفية، والتغير المناخي: الذي يسرع من جفاف هذه المناطق أو غرقها بسبب ارتفاع منسوب البحر.

"العقلية البالية"

وتكمن المشكلة الحقيقية، كما يشخصها خبراء البيئة، في "العقلية البالية" التي ترى في الأراضي الرطبة أراضٍ قاحلة لا قيمة لها، بينما هي في الواقع "رؤوس أموال طبيعية" تدر أرباحاً بيئية واقتصادية لا تقدر بثمن.

وقد رسمت اتفاقية رامسار مساراً واضحاً للسنوات القادمة، لضمان بقاء هذا الملف على الطاولة الدولية:في عام 2026: سيسلط الضوء على "المعارف التقليدية"، تكريماً للشعوب الأصلية التي حافظت على هذه الأراضي لقرون عبر تقاليدها وتراثها الثقافي، وفي  عام 2027: سيتوجه الأنظار نحو "المدن المستدامة"، وكيف يمكن للأراضي الرطبة أن تجعل مدننا الإسمنتية أكثر قدرة على التنفس والتحمل.

لا يعد تقرير اليوم العالمي للأراضي الرطبة لعام 2025 مجرد سرد لبيانات بيئية، بل هو صرخة استغاثة وتحذير من مغبة الاستمرار في تدمير "إسفنجة الكوكب"، إن فقدان هذه الأراضي يعني تفاقم الفقر، وزيادة حدة الفيضانات، وفقدان مخزونات الكربون التي تحمينا من الاحتباس الحراري.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية